محمد حسين هيكل

86

حياة محمد ( ص )

لكن عمه أبا طالب كان ، كما قدّمنا ، حليف فقر كثير عيال . لذلك رأى أن يجد لابن أخيه سببا للرزق أوسع مما يجيئه من أصحاب الغنم التي يرعى . فبلغه يوما أن خديجة بنت خويلد تستأجر رجالا من قريش في تجارتها ، وكانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال ، تستأجر الرجال في مالها يضاربون لها به بشيء تجعله لهم . ولقد زاد في ثروتها أنها ، وكانت من بني أسد ، قد تزوّجت مرّتين في بني مخزوم مما جعلها من أوفر أهل مكة غنى . وكانت تقوم على مالها بمعونة أبيها خويلد وبعض ذوي ثقتها . وقد ردّت خطبة الذين خطبوها من كبار قريش ؛ لأنها كانت تعتقد أنهم ينظرون إلى مالها . واعتزمت أن تقف جهدها على تنمية ثروتها . وإذ علم أبو طالب أنها تجهز لخروج تجارتها إلى الشام مع القافلة نادى ابن أخيه ، وكان يومئذ في الخامسة والعشرين من سنه ، وقال له : يا ابن أخي ، أنا رجل لا مال لي ، وقد اشتدّ الزمان علينا . وقد بلغني أن خديجة استأجرت فلانا ببكرين ، ولسنا نرضى لك بمثل ما أعطته فهل لك أن أكلمها ؟ قال محمد : ما أحببت ! فخرج أبو طالب إليها فقال لها : هل لك يا خديجة أن تستأجري محمدا ؟ فقد بلغنا أنك استأجرت فلانا ببكرين ، ولسنا نرضى لمحمد دون أربعة بكار . وكان جواب خديجة : لو سألت ذلك لبعيد بغيض فعلنا ، فكيف وقد سألته لحبيب قريب ! وعاد العمّ إلى ابن أخيه يذكر له الأمر ويقول له : هذا رزق ساقه اللّه إليك . محمد في تجارة خديجة خرج محمد مع ميسرة غلام خديجة بعد أن أوصاه أعمامه به . وانطلقت القافلة في طريق الصحراء إلى الشام مارّة بوادي القرى ومدين وديار ثمود بتلك البقاع التي مرّ بها محمد مع عمّه أبي طالب وهو في الثانية عشرة من عمره . وأحيت هذه الرحلة في نفسه ذكريات الرحلة الأولى ، كما زادته تأملا وتفكيرا في كل ما رأى وسمع من قبل عن العبادات والعقائد بالشام أو بالأسواق المحيطة بمكة . فلما بلغ بصرى اتّصل بنصرانية الشام وتحدّث إلى رهبانها وأحبارها وتحدّث إليه راهب نسطوريّ وسمع منه . ولعلّه أو لعلّ غيره من الرهبان قد جادل محمدا في دين عيسى ، هذا الدين الذي كان قد انقسم يومئذ شيعا وأحزابا ، كما بسطنا من قبل . واستطاع محمد بأمانته ومقدرته أن يتّجر بأموال خديجة تجارة أوفر ربحا مما فعل غيره من قبل ، واستطاع بحلو شمائله وجمال عواطفه أن يكسب محبّة ميسرة وإجلاله . فلما آن لهم أن يعودوا ابتاع لخديجة من تجارة الشام لك ما رغبت إليه أن يأتيها به . فلمّا بلغت القافلة مرّ الظّهران في طريق عودتها ، قال ميسرة : يا محمد ، أسرع إلى خديجة فأخبرها بما صنع اللّه لها على وجهك فإنها تعرف ذلك لك . وانطلق محمد حتى دخل مكة في ساعة الظّهيرة ، وكانت خديجة في علّيّة لها ، فرأته وهو على بعيره ؛ ونزلت حين دخل دارها واستقبلته . واستمعت إليه يقص بعبارته البليغة الساحرة خبر رحلته وربح تجارته وما جاء به من صناعة الشام ، وهي تنصت مغتبطة مأخوذة . وأقبل ميسرة من بعد فروى لها عن محمد ورقة شمائله وجمال نفسه ما زادها علما به فوق ما كانت تعرف من فضله على شباب مكة . ولم يك إلا ردّ الطرف حتى انقلبت غبطتها حبّا جعلها وهي في الأربعين من سنّها ، وهي التي ردّت من قبل أعظم قريش شرفا ونسبا ، تود أن تتزوج من هذا الشابّ الذي نفذت نظراته ونفذت كلماته إلى أعماق قلبها . وتحدّثت في ذلك إلى أختها على قول ، وإلى صديقتها نفيسة بنت منية على قول آخر . وذهبت نفيسة دسيسا إلى محمد فقالت له : ما يمنعك أن تتزوّج ؟ قال : ما بيدي ما أتزوّج به . قالت : فإن كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب ؟ قال : فمن هي ؟ أجابت نفيسة بكلمة واحدة : خديجة . قال محمد : كيف لي بذلك ؟ ! وكان قد انس هو أيضا إلى خديجة وإن لم تحدّثه نفسه بزواج منها لما كان يعلم من ردّها أشراف قريش وأغنياءها . فلما قالت له نفيسة جوابا عن سؤاله : عليّ ذلك ، سارع إلى إعلان